عرف الشباب في هذه المدينة تحمسه الشديد للدعوة ونشاطه الفعال، وبذل التضحيات من أجلها، وقد بلى في ذلك بلاء حسنا، مما ساهم في الترقي والإزدهار الديني في هذه المدينة والصحوة التي طرقت كل بيت، وتركت بصمات واضحة وتأثيرات إيجابية في نفوس قاطني هذه المدينة بمختلف شرائحه، ولامست شغاف قلوبهم بجاذبيتها المعروفة، وكانت لهذه الكوادر –التي نهضت للدعوة باستماتة، وشعرت بأن مسئولية الدعوة واقعة على كواهلها- أيادي بيضاء وجهود مشكورة في تصحيح مفاهيم كثيرة مغلوطة، وغرس بذور المحبة للتعليم الشرعي في المدعووين، والتصدي لجهود التبشير وإحباط محاولاته التي تنشط وتسير على قدم وساق، سيما في الحقل التعليمي من وراء الكواليس، لكن مما يلتفت النظر في هذه الأيام أن أعدادا هائلة من الوسط الشبابي الملتزم بدأ يتقاعس عن مهمة الدعوة ويتملص عن أي مهمة دعوية، وإن قام إليها قام مدفوعا متثاقلا، كأنما نزعت منه الحيوية كما تنزع الشعرة من العجين، وإن ألقى كلمة ألقاها ببرودة واضحة، كما وجدت هناك حالات انتكاسة ليست بالقليلة، وهذه الظاهرة الجديدة التي طفت على الساحة تستحق الإهتمام؛ وانطلاقا من هذا سطرت بيراعي هذه الكلمات لمحاولة التجلية عن عوامل هذا الفتور وأسبابه وهي خاضعة لاجتهادي الشخصي ويحق لكل أحد النقد والتصحيح.
مما يجب التنبيه به أولا أن الفتور عن أي عمل شئ طبيعي وقد نوه بذلك
النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت
فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت غير ذلك فقد هلك" هذا يدل على أن الفتور
شيئ يعتري النفوس البشرية وأنه طبيعي لكن أن يتزامن فتور هذه الأعداد في آن واحد
في ظل مستجدات، هذا ما يعطيها اهتماما خاصا ويجعلها ظاهرة غير طبيعية وهذه بعض
الأسباب التي أراها جلبت هذا التقاعس والفتور.
تبدد أحلام الشباب في نهوض الأمة من
أزمتها:
كان الكثير منهم يعلق آمالا كبيرة على بعض
الكيانات وبعض الحركات، لاستعادة أمجاد الإسلام، وتطبيق الشريعة، إلى غير ذلك من
أحلامهم فإذا تلك الكيانات تنهار واحدة بعد أخرى، ومنيت بهزائم، وتبين للبعض بحكم
الحوادث والمستجدات أن بعض الحركات التي يستميت في الدفاع عنها، ويعتقد أنها خاتم
سليمان، تمحضت لحصد أرواح المسلمينن، وجلب الدمار للبلاد والعباد، ولا تأتي بجذوى،
وبعض الحركات السياسية التي اعتقد بعض الشباب أنها متميزة في حلبة السباق السياسي،
وإبراز الإسلام السياسي إلى الساحة، تكبدت بخسائر فادحة، وتكالب علها الغرب
لإجهاضها عند ما سنحت لها الفرصة للتمثيل السياسي، وخيل إليه أن دون حلمه قرط
القتاد، وأصيب بالإحباط.
المشاحنات
داخل النخبة:
كان هناك شخصيات بارزة ذاع صيتهم وعرفت
حنكتهم في المجال الدعوي، وبرز هناك أسماء لامعة صارت محفورة في ذاكرة الشباب،
ولهم صولات وجولات، في توجيه الشباب وتعليمه وتغذيته بالعلوم الإسلامية، وكان
الشباب اعتقد أن هؤلاء هم النخبة، فتأسى بهم، واحتذى حذوهم، فإذا به يفاجأ بسيل
جارف من نزاعات وخلافات جذرية يجتاح وسط هذه النخبة، بلغت هذه الموجة من الخلافات
حد التراشق بالكلمات القاسية، ومسح الآخر على الأرض عبر المنابر والأقلام، بسبب
التيارات الجهادية، فأصبح الشباب بين مصدوم محتار، وبين من تفاعل مع هذه البيئة
الجديدة وتكيف معها لكن توزعت ولاءات الفئة الأخيرة لهذه النخبة ما بين مؤيد لهذا
معارض لذاك، وبين مؤيد لذاك معارض لهذا، فبرزت هناك تكتلات وانشغل الشباب بسبب هذه
النقاشات العقيمة عن المهمة الدعوية، وانحصر أمرهم في الرد على التكتل المضاد، ومن
أبرز التكتلات التي ظهرت على الساحة تكتل "الحسانيون" فلا يجتمع الشباب
في مجمع أو في معهد علمي إلا تندلع فيهم شرارة التصنيف، ويجر الحديث إلى هذا
الموضوع العقيم الذي أصبح شغلهم الشاغل، حتي الذي يحتاط ويقف موقف المحايد يخضع
لهذا التصنيف رغما عن أنفه.
الإغراق في الإقبال على الدنيا:
من أهم العوامل التي ألهت قلوب الشباب عن
مهمة الدعوة وأشغلتهم عنها الإقبال المفرط على الدنيا؛ لأن هذا الإقبال ينمو في
قلب صاحبه حتى يكون هو الأهم والمحك في قائمة الأعمال، ويأخذ الحيز الأكبر في
اهتمام الشخص وتفكيره، فتستدرجه الدنيا وترخي له الجانب، حتي يقع في فخها الذي لا
مناص منه ولا فكاك، ويجد نفسه في زخمتها، متفانيا في البحث عنها، قد نبذ من ورائه
ما عداها، فتنحصر حماسته في دائرتها، ويفتر عن غيرها.
الخطاب الدعوي الممل:
هؤلاء الكوادر في الحقيقة لم يتلقوا أي
تدريب لكيفية الإلقاء ولم تسنح لأكثرهم الفرصة ليأخذوا دورات في العمل الدعوي؛
لتحسين الأداء، فكانت الحماسة فقط ما يدفعهم لإقحام أنفسهم في هذا المجال، وشاء
الله أن لا تبقى شرارة الحماسة الفارغة متوقدة لبرهة طويلة، وإن كانت تذهل البعض
ببريقها أحيانا لكن سرعان ما تنطفئ، وسرعان ما تزول الفقاعة، وهذا ماحدث فعلا هنا
في هذه المدينة، فقلّ الخطاب الذي يسترعي انتباه الناس، ويثير أشواقهم، وملّوا من
الخطاب الممل وانفضوا عن كثير من الدعاة والخطباء والمدرسين.
نكتة:كان أحد الخطباء يلقي خطبته في الجمعة
الماضية في أحد المساجد في هذه المدينة فقال: فالحمد لله على أن جعل بلدنا هذا بلد
التوحيد، ومنّ علينا بعلماء ربانيين وولاة مطبقين لشرع الله ومنفذين أوامر
الله...!!!
عجيب كأنه يخطب لجماعة آخرى ربما تسكن في
المريخ!، والظاهر أن الخطبة ألقاها أحد الخطباء السعوديين والبلد المشار إليه هو
السعودية فأخذ صاحبنا الخطبة فألقاها علينا على علاتها كما هي!!.
